تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٣ - المنظر الرابع في تقرير الإشكال في خلود العذاب بالنار لأهل النكال من الكفار و الجواب عن هذا السؤال حسب ما يتأتى لأحد من المقال
و أمّا المحققون الذين قطعوا بالعفو في حقّ البعض فقد تمسّكوا بنحو قوله عزّ من قائل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [٤/ ٤٨] و بأن عمومات الوعد و الوعيد لما تعارضتا فلا بدّ من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل، لأن العفو عن الوعيد مستحسن عند العقل، و المعتزلة أيضا معترفون بأن العفو مستحسن عقلا إلا أنّ النقل لم يساعده- على زعمهم- فإهمال الوعد يكون بالضدّ [١] فترجيح الوعيد يوجب ترجيح الجانب المرجوح.
و أيضا القرآن مملوّ من نحو قوله: «غفورا، رحيما، كريما» و كذا الأخبار في هذا المعنى يكاد يبلغ حدّ التواتر.
و أيضا إنّ صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات- و هو الايمان- و لم يأت بما هو أقبح القبائح- و هو الكفر- فلا يهدمه ما سوى الكفر عن المعاصي.
و لهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: «إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة فتوحيد خمسين سنه كيف لا يهدم معصية سنة، إلهي لمّا كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أنّ الايمان لا يضرّ معه شيء من المعاصي» فإذا دلّت الآيات على الوعد و الوعيد فلا بدّ من التوفيق بينهما، فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثمّ إلى دار العقاب- و هو باطل بالإجماع- أو يصل إليه العقاب ثمّ ينقل إلى دار الثواب و يبقى هنالك أبد الآباد- و هو المطلوب.
المنظر الرابع في تقرير الإشكال في خلود العذاب بالنار لأهل النكال من الكفّار و الجواب عن هذا السؤال حسب ما يتأتّى لأحد من المقال
اعلم أن في تعذيب اللّه بعض عباده عذابا أبديا إشكالا عظيما، خصوصا عند
[١] - اى: يكون غير مستحسنا.